الخميس, 13 ديسمبر, 2018 , الساعة الآن 7:42 ,صباحًا

خيري حسن يكتب .. سعد عبدالوهاب ” الحب ريشة في هوا” !

في منتصف التسعينيات، كنت- مثل معظم أبناء الأقاليم- أذهب للعاصمة في زيارة سريعة، إما لقريب لنا، أو لمعرض الكتاب، أو لحديقة الحيوان، أو للمرور واللف والدوران، حول مبني صحيفة الأهرام أو دار أخبار اليوم أو نقابة الصحفيين، وبداخلي أمل وحلم- بعد سنوات اكتشفت أنه وهم، لم يكن يستحق كل تلك المعاناة- في أن تعبر أقدامي بوابات هذه الصروح الصحفية العريقة، حباً وعشقاً وولهاً في عيون صاحبة الجلالة.

كانت الزيارة غالباً ما تنتهي مع آخر ضوء للنهار، فأسرع إلى أتوبيس هيئة النقل العام، عائداً إلى أحضان قريتي النائمة على وسادة من الهدوء، يصل- أحياناً- إلى حد الملل.
وكنت- إذا لم يتوافر معي ثمن التذكرة- أذهب للمبيت عند صديق لي اسمه جمعة أبوعلي، يسكن في منطقة عشوائية على أطراف القاهرة، تسمى “منشأة ناصر”. الشقة في حارة ضيقة، لها شباك من خشب متهالك مفتوح دائماً على شارع متعرج، كان عبارة عن صخوراً قديمة، مهدت تحت وطأة أقدام البشر البائسة.

والشقة عبارة عن حجرة واحدة بلا مطبخ، والحمام تحت بير السلم مشترك مع آخرين. وكلما ذهبت إليه مضطراً، كان يأتيني صوته من بعيد، وهو يغنى أغنية عجيبة وغريبة لم أسمعها من قبل تقول كلماتها: “يا سعادة البيه يا جنيه/ محسوبك طالعة عنيه/ هتفوتني مفلس ليه/ من غيرك هعمل إيه؟”، ثم يكمل وفى نبرات صوته حزن لا يقل مرارة عن صوت امرأة صعيدية، وهى “تعدد” حزناً، بعد مقتل ابنها غدراً، في ليلة زفافه أخذاً بالثأر منه. قائلاً: “بتعز في ناس/ وتذل في ناس/ وأنا بيك محتاس/ يا سعادة البيه.. يا جنيه!!”

قلت له ذات مرة .. لمن هذه الأغنية؟ رد قائلاً: هذه أغنية غناها المطرب سعد عبدالوهاب (1929ـ 2004) في أحد أفلامه القديمة. قلت مندهشاً: سعد عبدالوهاب الذى غنى “الدنيا ريشة في هوا”. رد: نعم. ثم أكمل كلامه ساخراً: يبدو أنه كان يشعر بحالنا، وبأن الجنيه سيفرق بيننا، فنصبح أسياداً وعبيداً، يعز من يشاء ويذل من يشاء! ثم مدد جسده على حصيرة مفروشة على الأرض وهو يقول: أمامك يا صديقي، الكنبة تركتها لك لتنام عليها، ثم غط هو في سُبات عميق حتى الصباح.

أما أنا، فجلست على أطراف الكنبة، أراقب بقلق وتوتر، كمية مهولة من الحشرات، ظلت معلقة في السقف، أنظر لها في حذر وتوجس شديد. الساعات مرت بصعوبة حتى طلوع النهار، وبصري تائه ما بين وجهه المتعب والحشرات المتربصة بنا، وذهني مشغول بالحياة، التي غنى لها سعد عبدالوهاب مقطعا عبقريا في أغنيته الشهيرة “الدنيا ريشة في هوا” عندما قال: ” يللى بتسأل عن الحياة/ خدها كده/ زيي ما هيه/ فيها ابتسامة/ وفيها آه/ وفيها أسية.. وحنية!”
وأتذكر تلك الكلمات وصديقي ما زال نائماً، بهدوء غريب، راضياً بنصيبه من الحياة، التي لم ير منهاـ فيما يبدوـ إلا القسوة.

دارت الأيام دورتها المعتادة، وجاءت الشهور الأخيرة من عام 2004، عندما أبلغني زميل بأن المطرب الكبير سعد عبدالوهاب المعتزل أو المستبعد لسنوات طويلة، عن مصر عاد من غربته في دول الخليج، وهو الآن يرقد وحيداً، على فراش المرض في أحد مستشفيات القوات المسلحة بالعجوزة. ذهبت له على الفور.

وسألت أحد العاملين عن حجرته، فاصطحبني في ممر ضيق وطويل، حتى وصلنا إلى حجرته.
تقدم العامل، ليستأذنه في دخولي، وتركني في مكاني أنتظر. الساعة في يدي تعدت السادسة من مساء ذلك اليوم. في هذه اللحظات، كان يأتيني من وراء باب حجرته، صوت أم كلثوم وهي تغني أغنية “فات المعاد. بعد دقائق خرج العامل وهو يقول: اتفضل.. الأستاذ وافق.. أنت محظوظ! تقدمت خطوات وراء خطوات، وصوت أم كلثوم ما زال يأتيني من راديو ترانستور، لمحته على تربيزة صغيرة بجواره، وهو ممدد على سريره تحت ملاءة بيضاء، وعلى عينيه نظارة سميكة، ويمسك في يده كتاباً صغيراً لا أذكر اسمه الآن، ووجهه مازال يحمل ملامح عمه موسيقار الأجيال محمد عبدالوهاب.

أشار لي بالجلوس بالقرب منه، ثم مد يده، وأخفض صوت المذياع قليلاً، وهو يقول بابتسامة مشرقة: أخشى ألا تكون محبًا للغناء القديم؟ قلت: أنا ممن يحبون الطرب يا أستاذ، سواء كان قديماً أو حديثاً.

هز رأسه ووضع الكتاب الذي كان في يده بجواره، وقال: اتفضل نبدأ الحديث، ثم استدرك قائلاً: لكن على أن تكون أسئلتك عن الفن فقط. هززت رأسي بالموافقة، وبأنني وصلتني رسالته، ويجب ألا أكرر السؤال الممل، الذي ظل يطارده منذ عام 1962 تقريباً، بعدما غادر مصر إلى الإمارات والسعودية، وعاش هناك سنوات طويلة، وابتعد عن الغناء والتمثيل والتلحين، ولقد قيل وقتهاـ ومازال- إن عمه الموسيقار محمد عبدالوهاب وراء استبعاده من مصر، خوفاً من أن يهدد عرشه في الغناء، خاصة وهو يشبهه في ملامح الشكل، ونبرات الصوت، علما بأنه تربى في بيت عبدالوهاب، وعندما كبر، لحن له أشهر أغانيه، وأنتج له أفضل أعماله السينمائية.

استسلمت في البداية إلى رغبته. وانتظرت قليلًا، حتى انتهت ممرضة بشوشة الوجه، كانت قد دخلت علينا وفى يدها حقنةـ ضمن برنامجه العلاجي- وهي تغنى بصوت مسموع “الحب ريشة في هوا.. طايرة ما بين حبيبين.. إحنا النهاردة سوا.. وبكرة هنكون فين في الدنيا”.. كانت تغنى، وهو يبتسم، ويمد لها ذراعه التي هربت منها العروق، بفعل المرض والزمن. يضحك بصوت واهن، ويقول لها: “الدنيا يا شاطرة، وليس الحب”! فضحكنا جميعاً، وهي تغادر الحجرة، وتغلق الباب وراءها. ثم اعتدل في مكانه بصعوبة، وهو يقول: هذه الأغنية فيها باختصار فلسفة الحياة، التي نحياها، ورسالتها واضحة ومحددة، وهي- أي الأغنيةـ توجه الإنسان في أن يعيش الحياة بالأمل والتفاؤل، ولا يجعل قسوة الزمن تهزمه، ولا الحزن يقهره.

قلت له: لكنني كنت أريد أن أعرف هل هذه الأغنية للحياة أم للحب؟ رد وهو يبتسم: (وما الحب إلا حياة) نحياها بكل ما فيها من هجر وبعاد، وحزن وفرح، وابتسامة وألم. (وما الحياة إلا حالة حب) نعيشها في ضحك وبكاء، ونجاح وفشل، وصدق وكذب، وصحة ومرض.
ثم سكت قليلاً، وقال: على الإنسان أن يجعل الحب طائراً له جناحان يعلو بهما فوق سحابات الحزن السوداء التي تغطي سماء حياته. قلت: ولكن من أين يأتي التفاؤل وسط تلال الهموم التي أثقلت ظهر الإنسان، بعدما سلبوه أبسط حقوقه في أن يعيش حياة كريمة. وقصصت عليه حكاية صديقي “جمعه أبوعلي” الذي مات منذ سنوات قبل أن يكمل عامه الأربعين بفشل كلوي قضي على عمره مبكراً.

قلت له إن هذا المواطن لم يكن يحب من أغانيه إلا أغنيه “يا سعاة البيه يا جنيه/ بتعز في ناس/ وتذل في ناس/ وأنا بيك محتاس.. يا جنيه”، لأنها تعبر عن حاله في ظل توحش طبقة الأسياد وتوغلها، بعدما تحولت مصر إلى مصرين. مصر التي تسكن وراء الأسوار العالية، ويعيش فيها بشر هم أجساد بلا روح. ومصر الأخرى التي تعيش في المقابر، فيها بشر بلا روح ولا جسد. فابتسم وهو يعطيني قطعة شكولاتة من علبة صغيرة بجواره، وهو يقول: وهل كان يعرف صديقك هذا الحب؟ قلت: أظنه لم يعرفه بسبب بحثه المرير عن لقمه العيش. هز رأسه، وقال: لقد خسر صديقك هذا الحب والحياة معاً، لأنه استسلم لقسوة الحياة، وهجر الحب، ولم يستمع كثيراً، لأغنية “الدنيا ريشه في هوا”.. قالها وهو يضحك، وأنا استعد بسؤالي الأخير قبل أن أغادر مكاني. قلت له يا أستاذ: هل كان “محمد عبدالوهاب” هو السبب الحقيقي وراء إبعادك عن مصر؟

نظر لي من وراء نظارته الطبية السميكة، ثم بعد فترة صمت طويلة قال: أرجو منك، وأنت تغادر الحجرة أن تطفئ النور، حتى أنام قليلاً، ثم مد يده للراديو، فارتفع صوت السيدة أم كلثوم، وهي تواصل غناءها: “فات المعاد/ وبقينا بعاد/ تفيد بإيه يا ندم/ وتعمل إيه يا عتاب/ ستائر النسيان نزلت بقالها زمان.”

وبالفعل حققت له طلبه، وخرجت أترجل في شوارع حي العجوزة، وفى أذني كلماته عن الدنيا التي هي- مثل الحب- ريشة فى هوا!

  • نقلا من الصفحة الرسمية  للأستاذخيرى حسن

شاهد أيضاً

الليلة بالنادي الاجتماعي برعاية وحضور محافظ مطروح جمعية من حقنا تحتفل باليوم العالمى لذوى الاعاقة

  كتب : عيسي بو عيسى الليلة بحضور محافظ مطروح والقيادات الشعبية والتنفيذية تحتفل  اسرة ...